كلمة رئيس اللجنة في افتتاح فعاليات مؤتمر القدس ثقافة وهوية

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الطيب عبد الرحيم ممثل الأخ الرئيس أبو مازن حفظه الله-:
السيدات والسادة الأفاضل من أشقاء وأصدقاء ودبلوماسيين، وقادةٍ وحضور كريم، جاء ليشاركنا في روعة اللحظةِ، إذ إننا نخشع الآن في حضرة العرش السامقِ للقداسةِ، التي أضرمت ماضينا وحاضرنا بقوةِ ضيائِها الروحي والحضاري، وباحتدام التاريخ في كنفها، نقف في ظلال المجد أمام القدسِ وجلالة المكان وكثافة الحضارة والتاريخ ومنارة الإشعاع الأول.

أرهقتنا القداسةُ يا أرضَ كنعان، من حيث غمرتنا بروح الرسالةِ وقوانين التحمل، إنها تعطينا من قوةِ التغلغل في دمائنا وأرواحنا ما يضعنا أمام قدر واحد أن نواجه الشر الكوني الذي يحاولُ أن ينتزعَ ما تمثلهُ شموليةُ التنوع والتفاعل السامي، وجذور الحق والحقيقة، ويحاولُ نفضَ وقعَ أقدامِ التاريخ العريق وغباره؛ ليعتري المستقبل نقص من سموِّ الماضي وجماله الفطري، على يد بمساحيق الاحتلال الرامية إلى التزوير والافتراء والتجني على الإنسانية وروح الإنسان وقيم المكان.

أيتها السيدات، أيها السادة الكرام:
أتوجه لكم جميعًا بالتحية والترحاب باسم اللجنة الوطنية للقدس عاصمةً دائمة للثقافة العربية ومكتبها التنفيذي، وانطلاقتها الأولى في غمرة ما يحيط بنا من أحداث في كل نطاق، وفي غمرة ما تتعرض له القدس الغالية من احتلال وتهويد واستيطان وانتهاكات وجرائم تمسّ المكان والزمان والإنسان بأبشع ما يمكن أن يحدث. وفي ذكرى يوم الأرض الخالدة أتوجه بالتحية لشعبنا العظيم في الوطن والشتات وأينما كان، في غزة الحبيبة ونصف البرتقالة الأجمل في الجليل وفي مدننا وقرانا كلها.
لقد استجاب قرارُ مجلسِ وزراء الثقافة العرب باعتبار القدس عاصمةً دائمةً للثقافة العربية للطبيعة والطابع والاستحقاقِ، على وقع صدى حفيف الإسراء والصعود، والوجع المقدس على الصليب في طريق الآلام المتجددة، وبذلك طرق هذا القرار بابَ أحد محاور العمل الأساسية لحماية الثقافةِ والتراثِ الإنساني والطابع الأصيل لهذه المدينة الفريدة في التاريخ والعالم. إنها عاصمتنا وعاصمة وطننا الأبدية.

تمكنت اللجنةُ الوطنية للقدسِ عاصمةً دائمةً للثقافة العربية من الشروعِ بالترسيخ العملي لهذا القرار، وكانت البداية مع مدينة المنامة عاصمة الثقافة العربية للعام 2012، وقد ساهم في تلك الانطلاقة الأخوةُ في البحرين الشقيق،كما تقدم مجلس وزراء الثقافة العرب بخطوةٍ أخرى من خلال إقراره لمفهوم التوأمة بين القدس العاصمة الدائمة وعاصمة الثقافة العربية في كل عام، كما تجاوبت بترحاب منظمةُ الأليسكو لهذا الأمر ويتم التواصل معها لمزيد من النتائج المتعلقة بهذه القرارات.
وفي هذا العام، فإن بغداد الحضارة والتاريخ هي عاصمة الثقافة العربية، وهي توأم القدس بمعنى القرار وبمعنى التاريخ، وقد وقّعنا معها اتفاقية للتوأمةِ ستكون سُنةً للاتفاقيات مع كل عاصمة للثقافة العربية في الأعوام القادمة.

أيتها السيدات، أيها السادة:
إننا على علم بما للكفاح الثقافي من أثرٍ هام في حمايةِ تراثنا وتاريخنا، وطبيعة وطابع مدينة القدس، كما أننا على دراية بما تتعرضُ له القدسُ من عدوانٍ مريعٍ يسعى إلى اجتثاث روحها وحضارتها وتراثها الإنساني وخاصةً الإسلامي المسيحي، هذه المدينة التي طالما كانت عنوانَ التآخي وحرية العبادةِ وسموّ القيم الإنسانية بدون تمييز، وفي خضم تفاعل التنوعِ والمشاركة الإسلامية المسيحية في الحضارة العربية.
إن عمليات التزوير والتغيير واجتثاث المكان تجري بأكثر صورها بشاعةً وتحديًا للمفاهيم الإنسانية والدولية، وكذلك يتم التخريب النوعي للإنسان والتطهير العرقي، وحتى العمل لإلغاء الذاكرة والمساس بالمناهج التعليمية في المدارس، وإحلال رواية مزورة في عقول الأجيال بدلًا من الحقيقة.

لقد استجاب مشكورًا معالي أمين عام جامعة الدول العربية، وفضيلة شيخ الأزهر الشريف من خلال دعوته الكريمة التي نقف أمامها بكل تقدير، بإدراج مساقٍ تعليميّ خاصٍ عن القدس واقعًا وتاريخًا في مناهج الجامعات والثانويات المصرية والعربية.
وقد أبدى بنكُ التنميةِ الإسلامي استعداده للتعاون في هذا المضمار، آملين أن تتحقق خطواتٌ عمليةٌ من خلال ذلك. كما يتم التفاعل والتواصل الأخوي والخلاق مع المغرب الشقيق ومع سعادة السفير المغربي المحترم المغرب الذي يترأس لجنة القدس.
نحن نتطلعُ لتنمية هذه التوجهات وهذا التواصل، ونتطلع إلى مزيدٍ من الانتقال إلى المحافل الإسلامية والمسيحية والإنسانية والدولية، لنعزز العملَ لحماية القدسِ من كل ما تتعرض له، وأنتم تعرفون الكثير منه.

وهنا أتوجه بالتحية والتقدير لأبناء القدس وللحاضرين منهم الذين جاءوا من البلدة القديمة والقابضين على جمرة البقاء في البيوت الآيلة والمهددة وفي أزقة التاريخ وروعة آثار أقدامه، أو من خلف الجدار العنصري العازل الذي يكسر المشهد الثقافي والإنساني ويشوه لوحة الحضارة الجميلة، كما أقول لشعبنا بأسره أن القدس ستبقى أمانتنا الأعظم، أمانة الشهداء وفي المقدمةِ منهم الرئيس الشهيد ياسر عرفات، وأمانة الأسرى الأُباة الصامدين، الذين استشهد منهم اليوم رمز بطل هو الشهيد ميسرة أبو حمدية، المناضل المميز بمجموعته، حيث كان مميزاً بمجموعته مجموعة الشهيد باسم سلطان، ومميزًا في نضاله وأسره وفي استشهاده الذي أكد مدى وحشية وساديّة الاحتلال، وبذكر الأسرى أيضًا نتوجه بالتحية والتقدير للأسير المقدسي البطل سامر العيساوي، رمز صلابة الإرادة والإصرار الفولاذي، وإلى الجرحى الأبطال، ومعاناة وصمود شعبنا طيلة قرن كامل من الزمان.

إنها وديعةُ وعدٍ أمين بين أيدينا. لها المجد الخالد الأبدي، حيث ورث منها الشعب العربي الفلسطيني إرث الرباط والثبات ميثاقًا وعهدًا، لتظلّ القدسُ راسخةً في الزمانِ وفي المكان، ترعاها روح الله الخالدة، وهي تطل من نافذة مجدها العالي، تستمدُّ قبسًا من جذور العهدةِ العمرية، زيتًا يضيءُ ولو لم تمسسه نار، من زيتونةٍ في المسجد الأقصى المبارك، لا شرقيةٍ ولا غربية، لتنيرَ شموعًا في ذاكرةِ الجلجلة وأروقةِ انتظارها، ولتقف عنيدةً في مواجهة الغزاة والمحتلين كقلعةٍ للعزةِ والكرامةِ، وإرادة الحريةِ والأحرار، وحارسةٍ للدرب الإلهي المقدس، ومركز ثقل لقضية فلسطين، أرض الرباط والمرابطين، شعب الجبارين.
أتوجه بالتحية لكم جميعًا، وأريد أن أخص بغدادَ التوأم وبلادَ الرافدين مهدَ البدءِ والتكوين، وشعب العراق النبيل العظيم، بغداد الحضارةِ الدافئة حفيدة بابل الأولى.

أيتها السيدات، أيها السادة الأفاضل:
أشكركم على حضوركم، وسيبقى العهد هو العهد، لن نحيد عن درب شهداء القدس بمحاوره الثقافية والكفاحية والإنسانية.
المجد والحرية لأسرى الحرية الشامخين بعنفوان الرسالة وقوة الحياة.
المجد والخلود لشهداء القدس وفلسطين والأمة العربية.
وفق الله خطانا على درب الخير والحرية، وبارك حضوركم.

 

عثمان ابو غربية

رئيس اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للقافة العربية