إسحاق موسى الحسيني

إسحاق موسى الحسيني

عميد الأدب العربي الفلسطيني

1904- 1990

%d8%a7%d8%b3%d8%ad%d8%a7%d9%82-%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86%d9%8a

شهدت القدس ميلاد إسحاق موسى الحسيني في العام 1904، ونشأ في بيت شرف تجمعت فيه الوطنية والعلم والأدب والدين.
وينحدر أجداده فيما يروى من العترة النبوية الشريفة، وهم الأشراف الحسينيون الذين تولوا نقابة الأشراف في القدس ولأجيال عديدة.
وفي ميعة طفولته وصباه تنقل التلميذ في العديد من المدارس ومن بيتها المدرسة الرشيدية التي كان مديرها يومئذ أديب العربية محمد إسعاف النشاشيبي، وفي خريف 1923 سافر إلى القاهرة، والتحق بالجامعة الأمريكية ومن ثم الجامعة المصرية (القاهرة فيما بعد).
وفي العاصمة المصرية تفتحت آفاق معرفته من خلال الدراسة الأكاديمية من جهة، ومن مجالسة الأدباء والعلماء من جهة أخرى، وأتيحت له فرص الالتقاء عن قرب بالعديد منهم من أمثال: طه حسين، عباس العقاد، احمد حسن الزيات، منصور فهمي وغيرهم.
وخلال سبع سنوات (قاهرية) حصل خلالها الحسيني على شهادة من قسم الصحافة في الجامعة الأميركية، وعلى درجة الليسانس بامتياز من الجامعة المصرية عام 1930 واستمراراً لطموحاته في التعرف عن قرب بالآداب الغربية سافر إلى العاصمة البريطانية والتحق بمعهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة لندن، وحصل على درجة البكالوريوس بدرجة شرف، ودبلوم مقارنة اللغات السامية، وفي العام 1934 حصل على درجة الدكتوراه.
وعاد الحسيني إلى مسقط رأسه وهو مدجج بالمعرفة الشرقية والغربية، ومتحمس لبذل أقصى طاقات العطاء لوطنه وأمته، فعمل على الفور أستاذاً للغة العربية في الكلية العربية بالقدس (1934-1946)، ثم عمل مفتشاً أول للغة العربية لمدة عامين.
وحالت الأحداث الدامية في فلسطين آنذاك دون تحقيق امنيته في خدمة أبناء وطنه، حتى إذا حلت نكبة فلسطين عام 1948 اعتمر الحسيني مدينة بيروت، فعمل أستاذاً للأدب العربي في الجامعة الأمريكية مدة ست سنوات (1949-1955) أعير أثناءها أستاذاً زائراً للأدب العربي، ومحاضراً في الحضارة الإسلامية، بإحدى الجامعات الكندية.
في العام 1955 دعاه الأمين العام للجامعة العربية عبد الخالق حسونة للعمل أستاذاً في معهد الدراسات العربية التابع للجامعة العربية نفسها، فلبى الدعوة سعيداً بعودته إلى العاصمة المصرية… وإضافة إلى محاضراته القيمة التي كان يلقيها على طلاب المعهد تولى رئاسة قسم البحوث الفلسطينية، كما عمل في نفس الوقت أستاذاً للأدب العربي في الجامعة الأميركية عام 1973، ولبى عدة دعوات للمحاضرة في بعض الجامعات الأميركية.
وتوجت نشاطاته الحافلة بانتخابه عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1961، باعتباره ناقداً وأديباً ولغوياً وباحثاً، كما اخ تير عضواً في مجمع اللغة العربية بالعراق، وعضواً في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وكذلك اختير عضواً في مؤسسة آل البيت لبحوث الحضارة الإسلامية بالعاصمة الأردنية، كما شارك في العديد من المؤتمرات والندوات الإقليمية والدولية.
والحسيني على فيض علمه وسمو أدبه، يتصف بعشقه للقدس، وقد ظل دائم الشوق والتحنان لها، فعاد إليها عام 1973 بعد غياب قسري استمر ربع قرن من الزمان، فساهم بفاعلية في دفع مسيرة الحركة الثقافية والتعليمية فيها بإنشائه كلية للبنات، ومركزاً للأبحاث الإسلامية في قصر أستاذه أديب العربية محمد إسعاف النشاشيبي، لقد عاد فارسنا إلى أمخ القدس بعدما طوّف في الأرض وجال في البلدان وأضاء بعلمه الغزير كل مكان نزل فيه.
لقد أحب القدس حبين عظيمين أولهما: أنها مسقط راسه ومرتع طفولته وصباه، وثانيهما: أنها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وقد خص لها أربع كتب هي: أسماء بين المقدس، وقفيات بيت البيت، مكانة القدس في الإسلام، آثار بيت المقدس، وكذلك بعض الأبحاث عن القدس.
يقول معبراً عن عشقه لعروس المدائن: القدس مسقط رأي وموطن آبائي وأجدادي وليس في العالم كله مدينة تحاكيها في ما اجتمع فيها من آثار مقدسة منذ أربعة آلاف عام إلى اليوم، ولا في ما تثيره في أعماق النفس من مشاعر الإجلال والتقديس، وفي ما تبعثه في القلب من أنس وبهجة.
وتحول هذا العشق من الطور النظري إلى الطور العملي، فقد أخذ على عاتقه أن يخدمها بطريقة فريدة عبر عنها بقوله: عندما عدت إلى مدينتي الحبيبة، لم أستطع أن أتعايش مع فكرة أن القدس مثلي تسير نحو الموت، وأن أخلد المدائن مهددة بالزوال، فقررت أن أجعل بقية عمري وأنا على أبواب الثمانين نضالاً في سبيل إطالة عمر القدس، لذلك انصرفت كلياً إلى مهمة واحدة وهي أن أضغط بعدسة التصوير كل نقش وكل حرف وكل نص وكل مخطوط وكل وثيقة وكل رسالة تمثل جزءاً من صورة القدس المعنوية والمادية أو صفحة من تاريخها ولقد تجمعت عندي عشرات الآلاف من الصور والوثائق والمخطوطات تشكل في نظري محاولة لإعادة تعمير القدس وإنقاذها من يد الهدم.

إبداعاته:

لقد صال أديبنا الكبير وجال في ميادين الأدب والنقد والسياسة واللغة والفكر الإسلامي، وقدم للمكتبة العربية أربعة وثلاثين كتاباً، ويعتبر بعض النقاد أن أروع كتبه هو (ابن قتيبة)، حياته وآثاره، والذي نال به درجة الدكتوراه في الادب من جامعة لندن، والذي ترجم فيما بعد إلى العربية، وقد حاول من خلاله إفهام الغرب ماهية الإسلام والحضارة الإسلامية، وعكست مؤلفاته بشكل عام فكره الوحدوي العروبي.
وطالما حلم في يقظته بتجديد شباب أمة حضارية (خلقت وراءها تراثاً من الفكر المشرق والأدب الرفيع خالداً، وأمة هذا شأنها لن تبيد).
ونراه يقف إلى جانب المرأة مناصراً ومؤيداً (بأننا لا يمكن أن نكون أمة إلا إذا أعدنا إلى هذا المخلوق المهيض الجناح حقوقه الطبيعية كاملة).
ونراه من جانب آخر يدعو إلى التعامل مع الأدباء العرب بصفة انتمائهم القومي العربي وليس الإقليمي، ويصرح بان (أدب الأمة العربية هو أدب أمة موحدة الوجدان واللسان ولا يمكن أبداً تجزئه الوجدان واللسان).
وفي معرض تقديره لأصحاب الفضل عليه، اعترف الحسيني بفضل كوكبة من الأساتذة عليه في باكورة حياته فقال بتواضع جم: (إني مدين إلى عدد كبير من الأساتذة أذكر منهم إسعاف النشاشيبي ونخلة زريق، والمستشرق (جولت) وطه حسين، وأحمد أمين و (جب) ولكل واحد من هؤلاء أثر عميق في نفسي).
هذا، وقد ترك مفكرنا في حقل الإبداع والدراسات الأدبية والنقدية ثمانية كتب هي بالإضافة إلى كتاب ابن قتيبة، مذكرات دجاجة، هل الأدباء بشر؟، و (المدخل إلى الادب العربي المعاصر)، و (الأدب والقومية العربية)، و (النقد الأدبي المعاصر)، و (في الأدب الحديث).
وفي (سلسلة الطرائف للأطفال) أثبت الحسيني ريادته واهتمامه بتقديم ثقافة متطورة إلى الطفل العربي، تمده بقيم تتفق مع التطور الحضاري، فتنمي وعيه وتصله بماضي آبائه وأجداده، وصدرت السلسلة عام 1947 وفيها ثلاثة كتب بالاشتراك مع محمد العدناني وأحمد سليم سعيدان، وفايز الغول.
أما في الميدان التربوي فقد عكست مؤلفاته ارتباطه الوثيق بالتعليم، وباللغات بشكل خاص، فأصدر الكتب التالية: (رأي في تدريس اللغة العربية) و (علماء المشرقيات في انجلترا) و (العروض السهل) و (أساليب تدريس اللغة العربية) و (في قواعد اللغة العربية) و (فن إنشاد الشعر العربي) هذا كله إضافة إلى نحو عشرين بحثاً قدمت إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
وفي التراجم بحث له بعنوان (أديب العربية محمد إسعاف النشاشيبي)، و كتاب (خليل السكاكيني الأديب المجدد).
وفي مجال الفكر والحضارة الإسلاميين فللحسيني المؤلفات التالية: (الإخوان المسلمون) و (الإسلام في نظر الغرب) و (أبحاث في ماضي المسلمين وحاضرهم).
ومن مؤلفاته النقدية: (عودة السفينة) و (أزمة الفكر العربي) و (الاستشراق) و (معالم القضية الفلسطينية) و (قضايا عربية معاصرة).
هذا ويدلنا الكم الكبير من الكتب المتنوعة على عبقرية هذا الرجل، وموسوعية معرفته، ولا تنسى دوره الرائد في انتباهته المبكرة إلى نشاطات المستشرقين عندما أقدم في العام 1954 على نشر (الإسلام في نظر الغرب) وهو عبارة عن مجموعة مقالات لأدباء عرب وأجانب، وقد حرص المترجم على ذكر ثلاثة أسباب دفعته إلى نقل مادة الكتاب وهي:
أولاً: الحرص على أن يطلع المسلمون في الشرق والغرب على آراء طائفة من الباحثين الغربيين في الإسلام والمسلمين التي لا تخلو في مجملها من آراء تستفز الشعور وتجانب الحق.
ثانياً: الرغبة في استدعاء انتباه القراء إلى أهمية العالم الإسلامي وموقعه في العالم.
ثالثاً: الإهابة بالباحثين من عرب ومسلمين إلى معالجة هذا الموضوع الجليل بأسلوب علمي رصين كي تكون الصورة المعروضة على الغرب أقرب إلى الصحة والصواب.
وإضافة إلى هذا كله فالدكتور أسحاق حفي بالشعر شغوف به، فهو يقرضه وينظمه على قلة، وشعره سلس عذب يمتاز بالبساطة وصدق العاطفة والبعد عن الغريب، وأغلب ما نظمه لا يعد كونه خاطرات هي أقرب إلى النظر الفلسفي والاجتماعي، وذات صلة بلزوميات المعري التي أعجب بها ونثر بعضها على غرار ما فعل الدكتور طه حسين في (صوت أبي العلاء) .
ومرة أخرى يتجه صوب القدس، فنراه يقول في قصيدة (يا قادماً للقدس) يعبر فيها عن نبرة حزينة ولوعة عميقة على القدس الأسيرة وعذاباتها تحت سنابك خيل غزاتها اليهود (1984).

يا قادماً للقدس تلثم تربها                       هلا علمت بأن قدسك باكيه
الشمس لا تعلو وراء جبالها                    لا نورها نوراً ولا هي حانيه
والطير أغلق بابه كيلا يرى                   أحداً يجوس خلال أرض غاليه
والحقل غادره بنوه ممزقاً                      يستبدلون به مصالح باليه
ومساجد الله التي قدستها                        ثكلى تنوح على ديار خاويه
ماذا أقول أسامع أنت أم                        الدمع همى يبكي نفوساً عانيه

لقد حول إسحاق موسى الحسيني إيمانه بحب القدس إلى نضال يتفق فيه بقية عمره مجسداً إحدى أروع صفحات الصمود المعنوي كما يقول المفكر العربي منح الصلح خلال تقريظه لأستاذه الذي تتلمذ عليه في معهد الدراسات العليا بالجامعة الأمريكية ببيروت، ومضى يقول: إن سجل حياته كله يشهد بأنه اختار دائماً الطريق الأصعب لا يتكل فيه على غير عمله وخلقه.
لقد عرف إسحاق موسى الحسيني كواحد من الناس الذين لم ينظروا أبداً إلى أنفسهم كأفراد، بل عاملوا ذواتهم كما لو أنهم مؤسسات مسؤولة عن الوقوف في وجه خطر الزوال الثقافي والحضاري، ونظروا إلى العواصم العربية وخصوصاً إلى القدس وبيروت بعين رجال النهضة الأوائل في القرن العشرين، بعين محمد عبده، ورشيد رضا، وشكيب أرسلان، وعبد الكريم الخليل، وعبد الغني العريسي، وإسعاف النشاشيبي صاحب كتاب (الإسلام الصحيح) وهم قارنوا بين بطء حركة تقدمنا وسرعة القوى العاملة على فنائنا، فهالهم الفارق، فنهضوا فرساناً ثقافيين وحضاريين يقاتلون بأشخاصهم خطر الزوال الثقافي والحضاري، وانطفاء المنارات في العواصم وسط سبات عميق تعيشه الأمة مع هيئات بلا قضية، ومؤسسات بلا روح .
يمتلك الدكتور الحسيني ناصية اللغة العربية بثقة واقتدار، فهو عالم بأصولها، خبير بقضاياها، مدرك لأسرارها، عاشق لها، غيور عليها، لذلك نراه يتبنى الدعوة إلى تجديدها وتطويرها حتى تستطيع مسايرة الركب الحضاري المتسارع الخطوات وإلا وهنت وضعفت، وأصبحت جثة هامدة لا روح فيها ولا حياة.
غير انه لا يرتضي بأي تجديد، بل إن للتجديد في رايه خطوطاً حمراء لا ينبغي تجاوزها، لذلك نراه يدعو إلى معاودة النظر والتأمل في قضايا النحو المعقدة، ومسائله المختلفة بغية تيسيرها وتسهيلها على الناشئة والمتعلمين، وذلك بعد أن ضاق النحو بتعقيد أبوابه وغموض مسائله.
وهو يرى أن النجاح لن يكون حليفاً لنا في هذه المهمة إلا إذا استعنا بعلم اللغة الحديث من جهة، وعلم التربية والتعليم من جهة أخرى (رأي في تدريس اللغة العربية).
ومن جانب آخر نرى أستاذنا يطالب المسلمين بالبحث عن المعرفة والاطلاع على كافة المعارف الإنسانية حتى يستطيعوا استرداد إشراقة الفكر الإسلامي فيقول: إن على المسلمين أن يفتحوا جميع أبواب المعرفة على مصاريعها، ويقبلوا على دراسة ما جد منذ جمودهم حتى اليوم من علوم مادية وروحية شرقاً وغرباً.
وأردف يقول مطمئناً ومهدئاً مشاعر الخائفين والمترددين: (ولا خوف على الفكر الإسلامي من ضياع أصالته في خضم التيارات الفكرية الحديثة مهما قويت لان الإسلام واجه تيارات مماثلة في تاريخه القديم حين واجه الفلسفة اليونانية والهندية والفارسية، وثبت أمامها كالطود الشامخ).
(ولقد أدرك أجدادنا قديماً هذه الحقيقة فما كادوا ينتشرون في الأرض حتى استقبلوا الحضارات والآداب والعلوم استقبال المؤمن الواثق بنفسه، وكانت النتيجة هذا التراث الضخم من العلوم والآداب الإسلامية التي لقح بها الغرب في القرون الوسطى حياته الراكدة، فجنى ما جنى من خيرات الأرض، ونعم الحضارة المعاصرة (قضايا عربية معاصرة).

 

التصنيف: أعلام مقدسية