بقعة ضوء ضئيلة في ظلام دامس

light reflecting through a metallic light tunnel

في ليلة ذات سفر، تنقّلت عبر قنوات البرامج اليوتيوبيّة طيًّا للمسافة واستثمارًا للوقت بما ينفع. رحت أشاهد مقابلة للمبدعة السوريّة رشا رزق، التي رافق صوتها طفولة غالبيّتنا، وقد ذكرت في حديثها، بصورة عابرة، ‘كلّيّة الموسيقى في مدينة حمص أو المعاهد الموسيقيّة في حلب…’

انكشاف في زمن الدمار

استوقفتني هذه العبارة في خضمّ حديثها الشائق، وتحوّلت إلى التفكير في حالنا بعد أن ‘انكشفنا’، بصورة كبيرة جدًّا، على العالم العربيّ في السنوات الأخيرة، مع وفرة القنوات المتلفزة من جهة، وفيض مواقع الإنترنت وثورة شبكات التواصل من جهة أخرى. وكم من المؤسف أنّ انكشاف جيلنا الكبير عبر تلك الأدوات، يأتي في سنوات نال العالم العربيّ فيها ما ناله من تدمير وفتك وتشتيت لأهمّ وأغنى بلدانه من حيث التاريخ والإنتاج الثقافيّ، فصارت في أذهاننا عواصم عريقة، كبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء والخرطوم وطرابلس، مرتبطة بصور التفجيرات والدمار، والنزوح والتهجير واللاجئين، والمذهبيّة وسفك الدماء… وربّما صارت أيضًا القاهرة وعمّان وغيرها، مرتبطة ذهنيًّا بالفساد والعبثيّة.

يحلّ هذا التصوّر الذهنيّ بدلًا من صورة الجذور الضاربة عميقًا في الجماليّة التي تفرّدت بها تلك البلدان على جميع الأصعدة، ويُغَيِّب من مخيّلتنا وذاكرتنا الضحلة، تمامًا، ثروات تلك الحضارات الفكريّة والثقافيّة، والخاصّيّة الدينيّة لكلّ منها، وهذا في رأيي ما أسهم في تأصيل ‘العزلة الحضاريّة’ التي نشهدها، إذ بات كلّ شعب عربيّ يعيش أزماته وتحدّياته الخاصّة وحده، وهو أكثر من يعلم مدى الخسائر التي يتكبّدها جرّاء الحرب أو الفساد.

أبالغ؟!

محلّيًّا، في مجتمعنا الفلسطينيّ، أصبحنا مادّيّين إلى حدّ بعيد، لا نهتمّ باحتياجاتنا الروحيّة؛ نقتتل ونحرق أنفسنا وعائلاتنا بلهيب نار أشعلناها من أجل قطعة أرض أو منصب، وبات من العجب العجاب أن تسمع عن عبقريّة إنسان كرّس حياته في الإبداع المسرحيّ، أو موهوب يتعمّق ويتخصّص ويبدع في دراسة القراءات القرآنيّة. معاهد الموسيقى ذات المستوى الرفيع من الخرافات عندنا، أمّا حلقات النقاش والفكر في بلداتنا، إن وُجِدَت، فهي ممّا ندر. لكنّنا، في المقابل، وتحديدًا فلسطينيّو أراضي 48، قد نسخر من القاهرة لبهاء شوارعنا المعبّدة، ونشفق على بغداد لجريان المجاري في مصارف صحّيّة، ونهزأ من الخرطوم لاتّصالنا بشبكة الإنترنت والكهرباء طوال ساعات اليوم، هذا إن صحّ هذا التصوّر. لكنّنا ننسى أنّ إنتاجنا الثقافيّ والفنّيّ والفكريّ ما زال ‘يحبو’ جاهدًا للخروج من وحل القاع الذي نسينا فيه أنفسنا لسنوات طويلة.

أبالغ؟ إلى أيّ درجة؟ إلى درجة أنّه ما زال من الممكن أن تباغتنا أغنية كـ ‘آخر لحظة بيني وبينك… خيوط الشمس بتغزل شرايينك’، أو أن تغزو بلادنا دون حدود، من نقبها إلى جليلها، ومن ضفّتها إلى غزّتها، الدحّيّة بنسختها العصريّة، حتّى وإن كان غالب من يسمعونها لا يفقهون منها إلّا جملة أو اثنتين؟!

يحصل ذلك جرّاء الفجوة القائمة بيننا والموسيقى، مثلًا، فلو كان اهتمامنا بالإنتاج الموسيقيّ كما هو عليه في ضخّ مئات الطلّاب إلى الخارج لدراسة الطبّ وما شابه من المواضيع النمطيّة، لكان العنف المستشري بيننا أقلّ، ولكان خوفنا على ‘مجابهة’ وزير غزّيّ للدحّيّة ونقده لها، لا يقابل بشبه انتفاضة محلّيّة، بل تصل أصداؤها العالم العربيّ.

بقعة ضوء ضئيلة

بعضنا ما زالوا يخرجون من بين الحطام ليقدّموا إنتاجات مكتوبة ومسموعة ومرئيّة، إلّا أنّهم بقعة ضوء ضئيلة، للأسف، في ظلام دامس يحلّ على مسرحنا الثقافيّ الذي ما زلنا عطشى لمقابلته. مراكز تعليم الفنون والإبداع في ربوعنا صارت نادرة، والمسبّبات لذلك كثيرة، منها ما هو مفروض علينا، إلّا أّنني ما زلت أطمح للمزيد، كوننا ما زلنا نعاني من نقص في الاهتمام بالشؤون الثقافيّة والفنّيّة، في حين أنّ شريحة كبيرة منّا ما زالت تظنّ أنّنا الأقدر والأكثر تقدّمًا مقارنة مع شعوب عربيّة أخرى؛ وكأنّ معرفتنا لكلّ ذلك كانت عبر أغاني رشا رزق في ‘الكابتن ماجد’ و’المحقّق كونان’، الأوّل عليه أن يعيدنا إلى رشدنا بـ ‘الضربة الصاعقة’، والثاني عليه أن يساعدنا في حلّ لغز نرجسيّتنا في ظلّ شُحّ إنتاجنا، إلّا ما ندر، وواجبنا دعمه.

التصنيف: مقالة أدبية