“نكات للمسلّحين”:

أيهم السهلي

سخرية مازن معروف وصدماته

“نكات للمسلّحين” ليست مجرّد أربع عشرة قصّة قصيرة موضوعة بين دفّتي كتاب صدر العام الماضي عن دار رياض الريّس – الكوكب، بل هي لعبة أدبيّة حاذقة، صاغها مازن معروف، الحائز عن المجموعة على جائزة الملتقى للقصّة القصيرة بدورتها الأولى في الكويت.

ثمّة حرب في معظم القصص، دون استخدام عباراتها ومفاهيمها المعتادة، إلّا نادرًا، لكنّها جليّة في معظم مواضع السرد، في باطن شخصيّات لا تبدو لها ملامح جسديّة، بينما الملامح النفسيّة، انعكاسًا لشخصيّة الحرب، تظهر في كلّ موضع في القصص، تقريبًا، كأنّه يقول للقارئ: هو أنت عندما تكون الحرب حياتك اليوميّة.

“حلمت بأنّ لأبي عينًا زجاجيّة”

يدخل مازن معروف تجربته القصصيّة هذه من زاوية السخرية غير المعلنة، والتي تبدو، لاحقًا، مفارقة تثير الرعب، وهو ما يبدو من الكلمات الأولى لقصّة “نكات للمسلّحين” المكوّنة من عشر قصص فرعيّة، يفتتحها بـ “حلمت بأنّ لأبي عينًا زجاجيّة”. في كلّ قصّة فرعيّة بحث عن طريقة لتأمين العين الزجاجيّة للأب كي يخيف الآخرين، لا سيّما أولئك المسلّحين الذين يوسعونه ضربًا في طريقه إلى مصبغته. خلال البحث، تتكوّن الحكاية وتستنشق من وحشة الحرب وحصار أولي السلاح لحياة المدنيّين، ونبتة الفلفل التي أهداها الأب لابنه، التي تنمو ويذبل بعض ثمرها ويكبر بعضه الآخر، والذي يمثّل، لدى الطفل، عائلته المكوّنة من الأب وابنه، والشقيق التوأم والأمّ.

تضيق سبل البحث عن عين زجاجيّة، لكنّ الفتى يسمع عن طريقة لجمع المال من أجل تأمينها، وهي أنّ المسلّحين يتاجرون بالأعضاء، فيقرّر بيع توأمه الأصمّ للمسلّحين دون إحساس بالذنب، كونه الجزء الآخر منه، بالتالي، ما من خسارة تذكر. تبوء المحاولة بالفشل، إذ تصيب قذيفة الباص الذي يحتوي أمثال شقيقه من صمّ وبكم وعمي، تنهي حياتهم.

بعد فشل تأمين العين الزجاجيّة، يقرّر الابن استئجار حارس للأب من أموال ادّخرها مع توأمه في “قجّة”، ليخيف بالحارس الآخرين. وبالفعل، مشى الحارس المحترف خلف الأب دون أن يعرف الأخير؛ لماذا يسير مفتول العضلات هذا خلفه؟! هرب الأب خوفًا، ولم يعد.

تكمن المفارقة الأبرز في القصّة الأخيرة، إذ نكتشف أنّ الفتى هو صاحب العين الزجاجيّة، والأب هو من ينبّهه إلى الاعتناء بها من بخار المكواة، كونه بات يعمل في المصبغة بعد هروب أبيه، وتقتصر العلاقة بينهما على مكالمتين هاتفيّتين أسبوعيًّا.

خيال/ جنون

هذا الخيال، أو الحلم كما يطيب لي أن أسميه، يبدو مجنونًا في القصّة الأخيرة، “خوان وآوسا”، التي تبدأ بـ “لو لم ألتقِ بخوان لأمضيت عمري ناقصًا أحلى تجاربي” على لسان ثور. من المستحيل أن يحدّث ثور إنسانًا، لكنّ مازن معروف جعله يحدّثنا ليروي لنا حكاية ممتعة وشائقة، ليس فقط من باب أنسنة الحيوان التقيليديّة، بل من أجل مآخاته، وهو ما كان في القصّة، فالفتاة التي ضاجعها خوان، هي أخت صديقنا الثور.

في قصّة “الحمّال”، ثمّة طفل قرّر ألّا يبتسم، ورحل والده ووالدته وكبر دون ابتسامة. تمّنت أمّه عليه أثناء احتضارها ابتسامة، وبمشهد دراميّ مضحك مبك، جرّب الجيران المتحلّقون حول أمّه إضحاكه، لكنّه لم يستجب إلى كلّ المحاولات، ورحلت أمّه دون أن ترى ابتسامته.

يعود الخيال/ الحلم مجدّدًا، حين تمنّى في تلك اللحظة أن يطرق باب جاره ويبتسم، فينزع الجار الابتسامة من وجهه، ويرتديها. كبر صديقنا العابس وانحنى ظهره، وباتت مهنته “حمّال أعياد ميلاد”، يقعد الأطفال على ظهره
مقابل مال يدفعه أهلهم. استمرّ على هذه الحال، إلى أن قرّر ترك المهنة. التقى، لاحقًا، عجوزًا مشرّدًا، وتوهّم العجوز أنّ منحني الظهر هو عزرائيل، بعد أحداث سريعة جرت بينهما، “حتّى أنّه شخّ في ملابسه”، فأخذه الحمّال ليغسله في كراج سيّارات كان الجيران يغسلونه به بعد عودته من عمله، لكنّ العجوز مات، لتختتم القصّة بنقطة قويّة ومفاجأة يقول فيها الحمّال: “أمضيت جلّ حياتي لا أجيد الابتسام، بتّ الآن أعرف بأنّني الرجل القادر على قتل الناس بدعابة”.

صدمات

صدمات كثيرة سيتلقّاها القارئ في مجموعة مازن معروف هذه، منها ما هو من العيار الثقيل، كالزوجين اللَّذَيْن ربّيا خثرة دم على أنّها ابنهما منير في قصّة “أكواريوم”!

أمّا في قصّته “سيندروم أحلام الآخرين”، نجد حسام الذي يكون “المبراة أو الكلب أو منفضة السجائر” في أحلام الآخرين؛ حسام ليس بطلًا في أحلامه، بل يُستخدم في أحلام غيره، وهو يبدو أنّه نحن حين ننتبه إلى كوننا أدوات في أيدي غيرنا، أيد تحطّم حياتنا عبرنا، من سلطات سياسيّة وغيرها. ولا أحاول هنا أن أسقط رموزًا على القصّة، ربّما لم يقدم مازن عليها.

يبدو أنّ المجموعة، بمجملها، أحلام، ولن أقول إنّها سورياليّة، إلّا أن فيها غرائبيّة تدعو فعلًا إلى الدهشة. كما أنّها غنيّة بالصور والمشاهد، كأنّها فيلم سينمائيّ مليء بالتفاصيل الدقيقة التي تقود المشاهد، مجتمعة، إلى إدراك كامل الحكاية/ الحلم.

أظنّ أنّ مازن معروف في مجموعته “نكات للمسلّحين” كان يكتب قصّته في ذهنه أوّلًا، وحين تنهال أصابعه على لوحة المفاتيح، كان يغمض عينيه ليكتب ما يرى.

 

أيهم السهلي:صحافيّ فلسطينيّ من حيفا، وُلِدَ في دمشق عام 1985 ويقيم في بيروت. معدّ برامج في قناة “فلسطين اليوم”، ومنتج برنامج “صباح فلسطين”. عمل محرّرًا لمجلّة “الحرّيّة” ومسؤولًا لقسمها الثقافيّ بعد ذلك، وكان مسؤولًا عن الأنشطة الثقافيّة في “المركز الفلسطينيّ للثقافة والفنون”، وأمينًا للمكتبة الثقافيّة الفلسطينيّة في مخيّم اليرموك. يكتب في عدد من الصحف العربية والفلسطينيّة، ويهتمّ بالأرشيف الفلسطينيّ.

التصنيف: دفاتر